ابن بسام

319

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

فهو المؤمل بذلك والمرجو له . ولعمرك يا سيّدي إنّ ساحة العذر لتضيق عنك ، وما تكاد تتسع لك في إسلامك لتلميذك وابن جارك وشيخك الذي لم تزل متوفّرا عليه ، آخذا عنه ، مقتبسا منه ، مع إكثارك من ذكر هذا ، والاعتداد به ، وادعاء الحفظ له . وقد رويت أنّ حسن العهد / من الإيمان ، وسمعت المثل : انصر أخاك ظالما أو مظلوما ، فالمرء كثير بأخيه ، وألا أقلّ من استعمال الجد ، واستغراق الجهد : فمبلغ نفس عذرها مثل منجح [ 1 ] * ولا لوم في أمري إذا بلغ العذر ولكن من لك بأخيك كلّه ؟ وأين الشريك في المرّ أينا [ 2 ] ؟ وبعد ما مرّ بي فالقضاء غالب ، وما حمّ واقع ، ولا حذر من قدر ، وقد سبق السيف العذل [ 3 ] ، وتقدّم من فعلي ما جف به القلم ، وأنا الآن بحيث أمنت بعض الأمن ، إلا أنّ رزا من وعيد سقط إليّ بأنّ السّعي لم يرتفع ، وأنّ مادة البغي لم تنقطع ، وأنّ البصيرة مستحكمة في استرجاعي من الأفق الذي أحلّ به ، والجناب الذي أحط فيه . وأكّد ذلك في ظني ما كان أشار إليه بعض من كنت آوي إلى الثقة بعهده ، وأبني على الوثاقة من عقده ، من الفقهاء الموسومين بالأثرة عند الحكم المذكور ، والمكانة منه ؛ وقد عاتبته على تأخره عن مظافرتي ، وتقصيره في مؤازرتي ، فاعتذر بأن ذلك لا سبيل إليه ، ولا منفذ للحيلة فيه ، إذ المحرّض عليّ لا تتأتى معارضته ، ولا يتهيأ الاستبداد عليه ، وأنه وصفني بالبذاء ، وعابني بالتسلط على الأعراض ، وو اللّه ما استجزت هذا بعد أن هتك من ستري ما هتك ، وانتهك من حرماتي ما انتهك ، إذ كنت أقول معذورا ، وأنفث مصدورا ، فكيف قبل ذلك إذ لم يحدث سبب ، ولا عرض موجب ؟ . وما لي وهذا المجتنى ثم ماليا و سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ ( الزخرف : 19 ) وليست هذه ببكر من النمائم التي دخل بها بين العصا ولحائها :

--> [ 1 ] عجز بيت لعروة بن الورد ( ديوانه : 40 ) وصدره : ليبلغ عذرا أو يصيب رغيبة . [ 2 ] من قول الشاعر : خير إخوانك المشارك في الضر * وأين الشريك في الضر أينا وتنسب الأبيات لكثير في ترجمته من تاريخ ابن عساكر وفي الذهب المسبوك : 33 ، انظر ديوانه : 492 ؛ وهي دون نسبة في الصداقة والصديق : 92 ، وبهجة المجالس 1 : 717 ، والعقد 2 : 308 . [ 3 ] فصل المقال : 67 ، والميداني 1 : 221 ، والفاخر : 48 .